الخميس، 7 فبراير 2013

الدليل المختصر للراغبين في التقديم على الدراسات العليا

 
كيف تقدم على الجامعات؟ كيف تحدد الجامعة الأفضل بالنسبة لك ولتخصصك؟ كيف تتعرف على متطلبات القبول وكيف تستكملها؟ ما هي الوسائل الأفضل التي تساعدك في الحصول على القبول الأكاديمي؟ ما هي المعايير التي من خلالها تستطيع أن تحدد المشرف الأفضل لك في الدراسات العليا؟ كل هذه الأسئلة وغيرها تجد لها أجوبة شافية مستنبطة من تجاربي وتجارب زملائي، وكم أتمنى أن يكون هذا المقال بمثابة دليل مختصر لكل إنسان يرغب في إستكمال الدراسات العليا ..
 
تمهيد ..
كم من الممتع والجميل أن تستمر في تعليم نفسك، سواء كان هذا على المستوى الثقافي من خلال القراءة والإطلاع والتدريب أو على المستوى الأكاديمي من خلال دراسة الماجستير والدكتوراة، أستطيع أن أجزم من خلال خبرتي إن الصعوبة لا تكمن أبداً في دراسة الماجستير أو الدكتوراة بحد ذاتها إنما المشكلة والعقبة الأكبر تكمن في "كيف أبدأ" و "كيف أقدم على الجامعة" وتستمر معاناة الشخص الذي ليس له خبرة ولا علم بالموضوع حتى يتم حصوله على القبول الأكاديمي إن قدر الله له ذلك ، إلا أن معرفة نقطة الإنطلاقة وكيفية البدأ وإستيعاب جميع المراحل في هذا الموضوع يهون كثيرا من هذه الصعوبة ويجعلها مجرد مهمة لتنفيذ خطة واضحة، ونحن في هذا المقال سنتعرف على نقطة الإنطلاقة وجميع المراحل الاحقة لها حتى الحصول على القبول الأكاديمي وبدأ الدراسة والذي آمل أن يساهم كثيراً في تذليل الصعوبات أمام الراغبين في إستكمال دراستهم ..
 
نقطة الإنطلاقة "كيف أبدأ؟" ..
بإفتراض أنك على علم تام بماهية تخصصك الذي ترغب في إستكمال الدراسة فيه، فإن أول خطوة تأتي بعده هي "في أي جامعة سأدرس؟" وهناك ثلاثة معايير تحدد إجابتك على هذا السؤال:
1.      وجود التخصص في الجامعة وتوفر المواد اللازمة لإتمام دراسته ومجالات أبحاث أعضاء هيئة التدريس.
2.      مدى صعوبة وسهولة متطلبات وشروط القبول في الجامعة والقسم العلمي والفترات الزمنية المسموح بها للتقديم.
3.      مستوى وظروف مدينة الجامعة المراد الدراسة فيها: طقس وأمن والغلاء والخدمات المتوفرة.
والسؤال هنا يكمن في "كيف أتعرف بشكل أوضح على هذه المعايير حتى أستطيع أن أختار الجامعة الأفضل لي؟" ، وسنجيب على هذا السؤال بشكل مختصر ومفيد.
المعيار الأول: ملائمة تخصصك
هناك مواقع مشهورة ومعتمدة في كل دولة تقوم بترتيب الجامعات على حسب تخصصاتها العلمية، وإذا ما أخذنا الولايات المتحدة الأمريكية كمثال، فإن موقع (www.usnews.com/) هو الموقع الأفضل للتعرف على جميع الجامعات الأمريكية في تخصصك، حيث يمكنك الذهاب الى ترتيب الجامعات تحت "Rankings" (http://www.usnews.com/rankings) وهنا ستجد مرادك ، فما عليك الا تحديد تخصصك كـ "Mechanical Engineering" مثلا ومشاهدة قائمة أفضل الجامعات في هذا التخصص، سيتطلب منك أحيانا دفع مبلغ رمزي للإطلاع على القائمة.
بإستطاعتك الدخول على الموقع الإلكتروني الخاص بكل جامعة من خلال القائمة السابق ذكرها، ومن خلال موقع الجامعة الإلكتروني يمكنك الذهاب الى الموقع الخاص بالقسم العلمي للإطلاع على التخصصات الدقيقة التي يقدمها القسم العلمي لطلبة الدراسات العليا "Graduate Students"  وبإمكانك بجانب الإطلاع على قامة المواد التي يتم تدريسها "Course Lists" أيضا الإطلاع على الإهتمامات البحثية "Research Interests" لأعضاء هيئة التدريس "Faculty members" التي قد تلائم إهتماماتك.
المعيار الثاني: شروط القبول
أهم المعايير بوجهت نظري هو هذا المعيار، فلكل جامعة شروط للقبول وقد تكون للقسم العلمي أيضا شروط أخرى وهذا أمر متفاوت بين الجامعات، ولا يعني مدى صعوبة الجامعة أن شروط القبول لديها صعبة، لكن من المهم أن نقوم بالإطلاع على هذه الشروط والذي سنجدها غالباً تحت مسمى "Graduate Admission Requirements" وهي في الغالب تدور حول أربع شروط:
1.      الحد الأدنى للمعدل الجامعي للبكالريوس وفي الغالب يكون 3 من سلم الـ 4 نقاط.
2.      إختبار إنجليزي توفل أو أليتز لغير الدارسين في مدارس إنجليزية، حيث تطلب كل جامعة رقم معين كحد أدنى. يمكنك الإطلاع على ماهية هذه الإختبارات والتسجيل بها من خلال موقعهم: التوفل (www.ets.org/toefl/) الأيلتز (www.ielts.org/) وعلى الغالب فإن الجامعات تطلب إحدى هذين الإختبارين، بالرغم من أنه أمر تقديري إلا أنه ومن خلال تجربتي فإني أستطيع أن أجزم بأن إختبار الأيلتز هو الأسهل.
أريد أن أنوه الى هذا الشرط والذي يليه (الشرط الثالث) لا يُشرط إتمامه مع طلب التقديم لكن يجب أن يتم تقديمه قبل بت الجامعة في طلبات القبول وهو الوقت الذي تحدد كل جامعة ويمكنك معرفة الوقت سواء بالمراسلة أو إعلاناتهم.
3.      إختبار GRE  أو GMAT وهما إختبار يحتوى على شق رياضي وشق إنجليزي. لطلبة الهندسة عموما يتم طلب إختبار GRE وطلبة العلوم الإدارية GMAT. ويمكن الإطلاع على ماهية هذه الإختبارات والتسجيل فيها من خلال مواقعهم الإلكترونية: للـ GRE (https://www.ets.org/gre/) و للـ GMAT (www.mba.com/). وهذه الإختبارات قد لا تطلبها بعض الجامعات بتاتاً أوقد تتجاوز بعضها الآخر هذا الشرط حتى وأن تم الإعلان عنه كشرط للقبول.
4.      يتم طلب مرفقات بسيطة كالشهادة الجامعية "transcript" وطلب التقديم "Application" ورسومه و كتابة ورقة تسوق فيها نفسك "Statement of Purpose" ولكيفية كتابة هذه الورقة هناك الكثير من المواقع تساعدك في ذلك كأن تقدم لك نماذج مقترحه والإرشادات التي تحسن من جودة الكتابة (www.statementofpurpose.com/).
بالإضافة لما تقدم فإن لكل جامعة فترات زمنية محدده للتقديم خاص بكل فصل دراسي تحت مسمى "Application Deadline". لذلك ومع إطلاعك على كل ما سبق ذكره تستطيع موازنة الأمر وتحديد إختياراتك بما لا يقل عن 10 جامعات حتى يتم تقييمها من خلال تطبيق المعيار اللاحق عليها والذي يدور حول ظروف المدينة ومستواها المعيشي.
المعيار الثالث: مستوى المدينة
من المهم أيضا معرفة مستوى الدينة ونختصرة في أربعة أمور فقط:
1.      مدى رخص أو غلاء المعيشة والإيجار والمواصلات التي تتواجد في الجامعة المراد التقديم عليها ويمكنك معرفة ذلك من خلال مواقع عدة ، في أمريكا على سبيل المثال يمكنك معرفة مستوى الإيجارات في المنطقة المراد الدراسة فيها من خلال معرفة zip code الخاص بالجامعه وإستخدامة في موقع (http://www.apartments.com/).
2.      الأمن والأمان الذي تنعم به المدينة وهذا له بالغ الأثر على النفسية خلال الدراسة خصوصا للأفراد الذين يصطحبون معهم عائلاتهم. ولا شك أن هناك الكثير من المواقع الألكترونية التي تقيّم مستوى المدينة أمنياً.
3.      الخدمات التي تنعم بها المدينة من مدارس للأطفال وأماكن ترفيه. بينما الأماكن الترفيهية القليلة تجعل من المدينة مكاناً موحشاً إلا أن المدينة ذات الأماكن الترفيهية الكثيرة تلهي كثيراً عن الدراسة ، فالإعتدال والوسطية أفضل.
4.      الطقس مهم جداً ، فهناك مناطق باردة جداً تصل فيها درجة الحرارة الى 20 تحت الصفر شتاءا كالولايات الشمالية ، وهناك مناطق رطبة جداُ كولاية فلوريدا ، وهناك أيضا مناطق حارة كولاية تكساس وأريزونا. وهناك ولايات معتدلة الجو كولاية كاليفورنيا. لذا من المهم الإطلاع والتعرف على طقس المدينة.
بعد معرفة مستوى المدن الذي تتواجد فيها الجامعات يمكنك الآن أن تحدد خمس جامعات على أقل تقدير للتقديم عليها. ولأن كلما زاد عدد الجامعات التي تقدم عليها زادت فرصة حصولك على قبول أكاديمي. والجدير بالذكر أنه يمكنك التقديم على الجامعات من خلال كلمة "Apply" والمتواجده في كل موقع جامعي حيث يمكنك بعدها إرسال المتطلبات من خلال مراكز البريد كـ Aramex أو DHL وأنا شخصياً أستخدم الأول لأنه الأرخص والأفضل.
 
الإستعداد والمتابعة "الخطوة الأهم" ..
من المهم الإستعداد جيداً حتى يتمكن الطالب من إتمام متطلبات القبول من توفل وغيره والذي يقوم العديد من المختصين على تقديم دورات مفيدة تساعد الطالب كثيراً ، إن المحاولة والإصرار من أهم عوامل النجاح، لا تيأس من سقوطتك في الإمتحان الأول أو حتى العاشر ، فبكل تأكيد ستتجاوزها بفضل الله ثم بعزيمتك.
تقديمك لملف القبول هو الخطوة الأولى فقط ، وبالرغم من الأهمية القصوى لهذه النقطة إلا أن متابعة ملفك مع القسم العلمي هو مربط الفرس، إن أغلب الجامعات يكون فرص القبول فيها للطلبة الذين يراسلون مشرف طلبة الدراسات العليا في الكلية أو القسم العلمي، حيث يتمكن الطالب من إثارة إنتباه الجامعة للإطلاع على ملفه وحتى لا يُبخس حقه بين آلاف طلبات التقديم.
وأنا هنا ليس لدي أدنى شك بأن العامل المالي مهم جداً بالنسبه للجامعات، ولأن غالبية طلبة الدراسات العليا في أمريكا خصوصاً يدرسون على حساب أعضاء هيئة التدريس في القسم العلمي كإستثمار وتجارة، فإذا علم القسم والكلية بأنك ترغب في الدراسة على حسابك أو مدعوم مالياً سيوفر ذلك عليهم عناء البحث عن طالب لأجل تبنيه مالياً.، بمعنى إن كنت حاصل على بعثة دراسية من جهة حكومية أو غيرها أو تدرس على حسابك الخاص ، يمكن أن يكون لهذا الأمر أثر في أن يكون لدية حظوظ قوية في القبول ، لذا يجب أن تقوم بإبلاغ القسم بذلك من خلال المراسلة الإلكترونية على أقل تقدير.
أمر آخر في غاية الأهمية، يمكنك أيضاً إختيار دكتور -في القسم العلمي الذي تود الدراسة فيه- بدرجة "Associate" أو "Professor" ومراسلته لأجل أن تحظى بإشرافه ودعمه وهذا سيساعدك بكل تأكيد في القسم العلمي لما لهؤاء الأكاديميين من نفوذ داخل القسم وصلاحيات قبول ... لكن كيف يمكنك إختيار مشرفك ؟
 
"إنتبه" في إختيار مشرفك العلمي ..
        هب أن وفقك الله وقبلت في الجامعة أو أنك تريد مراسلة دكتور يساعدك في القبول، هناك ثلاثة معايير في غاية الأهمية لما لهذا الأمر من حساسية بالغة، إن أحد الأمور المفصلية في الدراسات العليا هو مشرفك العلمي، بإمكان هذا الشخص جعل الدراسة والبحث متعة وبإمكانه أيضاً جعلها طريق شاق ووعر .. فما هذه المعايير الثلاثة؟
1.      درجة المشرف الأكاديمية: يجب أن يحذر طالب الدراسات العليا من أعضاء هيئة التدريس الجدد وهم الذين على درجة أكاديمية "Assistant" ، لا شك بأن هناك منهم من هو ممتاز لكن في الغالب هؤلاء يفتقرون للخبرة البحثية، كما أنهم على عقد وظيفي مؤقت ومشروط بعدد معين من الكتب والأبحاث وغيرها، لذا جرت العادة أن مثل هؤلاء يقومون بإرهاق الطلبة بالكثير من الطلبات سواء بسبب قلة خبرتهم أو حاجتهم إستثمار جهود الطلبة بإسراف لأجل إتمام شروط الترقية. ومن المهم لفت الإنتباه الى أن العمل مع مثل هؤلاء يجل حياة الطالب الأكاديمية وخصوصا طلبة الدكتوراة معرضه للخطر وذلك بسبب عدم ضمان مستقبلهم الوظيفي، وليس من صالح الطالب أن يتم إقالة مشرفه وهو في منتصف البحث !! إلا أن هذا الأمر يختلف كليا عن أعضاء هيئة التدريس من درجة "Associate" فما فوق ، حيث أنهم وبكل تأكيد نجحوا في متطلبات الترقية الأكاديمية ولهم خبرة وهم وحدهم الذين يمتلكون عقود عمل دائمة "Tenures" مما يعطيهم الراحة النفسية نوعاً ما في العمل. وكما أن "Associate" هو الأكثر النشاطاً والذي قد يساعد الطالب في إتمام بحثة ودراسته بسرعة إلا أن الـ "Professor" أكثر خبرة وفهماً وأكثر نفوذاً في القسم العلمي.
2.      إهتمامات المشرف والنشر العلمي: من المهم الإطلاع على عنوان رسالة الدكتوراة للمشرف الأكاديمي وتخصص شهاداته من بكالريوس وماجستير ودكتوراة ، ومقارنة هذا الأمر مع طبيعة أبحاثة، هذا الأمر يعطيك إنطباع حول الخبرة التي يحظى بها هذا المشرف والإساس الذي تأسس عليه. بالإضافة الى ما سبق، من المهم معرفة عدد الأبحاث التي يقوم بنشرها سنوياً بحيث يكون إسمه هو الإسم الأخير في البحث "Last Author" والذي يدل على أنه كان هو صاحب الفكرة والمشرف على هذا البحث. وأن كلما زاد العدد كان هذا مؤشراً على نشاطة وذكاءة ومقدرته على البحث والإشراف، أما بخصوص العدد الذي يمكن على أساسه المقارنة والتحليل فإن عدد أبحاث زملائه في القسم أفضل مقياس.
3.      عدد الطلبة الذي يشرف عليهم: هذا الأمر في غالية الأهمية والذي يغفل عنه الكثير من الناس وأنا كنت واحد منهم، إن معرفة عدد الطلبة التي يقوم الدكتور بالإشراف عليهم يعطيك مؤشر قوي على مدى فعاليته، الدكتور الذي لدية طلبة كثيرين تم تخريجهم وطلبة حاليين تحت إشرافه يدل على قدرته المتميزة على الإشراف وخبرته في التعامل مع البحوث و الطلبة. يمكنك معرفة كل هذه المعلومات من خلال الصفحة الشخصية للدكتور أو من خلال مراسلته إلكترونياً.
من الممكن أن تختار مشرفك الأكاديمي أثناء التقديم على الجامعات من خلال مراستلته ومحاولة إثاراة إنتباهه، ومن الممكن أيضاً تأجيل الأمرالى البدأ في الدراسة أو حتى بعد سنة من الدراسة، المهم هو التريث كثيراً في هذا الأمر لما له من حساسية بالغة.
 
خاتمة ..
بالرغم من أن ملفي للتقديم على البعثات جيد جدا الى حدٍ ما سواء معدلي الجامعي أو حصولي على براءة إختراع محلية أو غيره ، إلا أنني واجهت عقبة كبير تمثلت في إختبارات اللغة الإنجليزية، لقد سقطت في 17 إمتحان إنجليزي سواء توفل أو ايلتز ، إلا أن مجموعة هذه التجارب الفاشلة كونت حجة قوية لدى الجامعة التي قُبلت فيها وهو أنني صاحب مواصلة وإصرار، بمعنى أن التجارب الفاشلة كونت تجربة ناجحة. قُبلت في جامعة تكساس أوستن أحد أفضل الجامعات على مستوى العالم وأتمت دراستي وحصلت على معدل إمتياز مع مرتبة الشرف في تخصص الهندسة الميكانيكية ، فلا يكون الفشل عائق لك، بل إجعل منه خطوة نحو النجاح.
حاولت الإختصار كثيرا واتمنى أن يكون مفيدا لكل من يرغب في إستكمال دراسته .. وبالتوفيق!
 
أخوكم طلال عيد العتيبي
 

السبت، 2 فبراير 2013

الميزان المائل .. من يعدله ؟

       كان الإمام جعفر الصادق -رضي الله عنه وهو من نسل سيدنا الحسين بن علي رضي الله عنه- عالماً فقيهاً في العلوم الشرعية كما قيل أنه كان من أول رواد علم الكيمياء ، تتلمذ على يده الإمامين أبو حنيفة ومالك إبن أنس في العلوم الشرعية، كما تتلمذ على يده أبو الكيمياء جابر بن حيان في العلوم الطبيعية، فقد كان إطلاعه واسع وعلمه غزير. أحدثكم وأنا لا زلت مدهش بأن هؤلاء العمالقة العِظام من مختلف العلوم تتلمذوا على يد هذا الإمام وبالأخص في علم الكيمياء الذي لم يكن يحظى بشعبية آنذلك ..
قالوا عن جابر بن حيان ..
     قال عنه الفيلسوف الإنكليزي فرانسيس بيكون: "إن جابر بن حيان هو أول من علم علم الكيمياء للعالم، فهو أبو الكيمياء" ، ويقول المستشرق الألماني ماكس مايرهوف: "يمكن إرجاع تطور الكيمياء في أوروبا إلى جابر ابن حيان بصورة مباشرة". وقال عنه آخر: "إن لجابر في الكيمياء ما لأرسطو في المنطق".
أهمية العلوم الطبيعية في نظر علماء الشريعة ..
     لم يكن جعفر الصادق رضي الله عنه يصد طلبته عن دراسة العلوم الطبيعية (وهي علوم غير شرعية) ، بل إنه ولمعرفته بأهميتها وجه تلميذه جابر بن حيان رحمة الله الى علم الكيمياء وشجعه على ذلك حتى وصل تلميذه الى ما وصل إليه من عظم المكانه ، لقد ألف جابر بن حيان رحمه الله مِئات الكتب حيث تُرجمت الى لغات عدة، لقد كان له السبق في تطوير علم الكيمياء والصيدله الذي لازلنا ننعم بفضله.
تجربتي ..
     قبل تقديمي لجامعة الكويت ، أتاني من أصدقائي الفضلاء من حثني على التقديم على كلية الشريعة راجياً مني عدم التقديم على سواها مستنداً برأي شرعي يقول بأن فضل العلم المنصوص عليه بالقرآن والسنة محصور على طلب العلم الشرعي فقط وأن دراسة العلوم الطبيعية والتي هي من علوم الدنيا لا يُؤجر عليها إبن آدم ، إلا أنني لم أقاوم محبتي للرياضيات والفيزياء الأمر الذي دفعني الى تقديم طلبي على كلية الهندسة حيث تخصصت لاحقاً بتخصص الهندسة الميكانيكية. وبالرغم من إيماني التام بأن رأي إخوتي يمثل رأيا شرعياً أحترمه الا أنني على يقين تام بأن هناك رأي شرعي آخر يقول بأن فضل طلب العلم غير محصور بالعلم الشرعي لأن الواقع أيضاً يفرض ذاته.
نظرة في الواقع ..
      بالرغم من أنه لم يكن لعلم الكيمياء أثر كبير في حياة الناس إبان عصر سيدنا جعفر الصادق إلا أنه حث طالبه جابر بن حيان على هذا العلم ورعاه حتى صار عالماً جهبذاً، فإذا كان هذا أمر سلفنا وأجدادنا فكيف من المفترض أن يكون شأننا ونحن نعيش في عالم تلعب فيه التكنولوجيا دوراً رئيسياً وفي شتى المجالات، إني لأتسائل: هل هناك من علماء الشريعة وغيرهم مَن خصص مِن وقته وجهده لتحفيز بعض طلبته وتشجيعهم لدراسة الفيزياء مثلاً أو غيرها من العلوم التي تقود التكنولوجيا ، ألم يقل الله تعالى في محكم تنزيله: "وأعدوا لهم ما إستطعتم من قوة"؟ أليست أمريكا التي تمتلك أقوى جيش في العالم يعود ذلك بفضل ريادتها في التكنولوجيا. لا أتوقع أن هناك من الأخوة من قد يخالفني إذا بالغت وقلت بأن الدولة الأكثر ريادةً في التكنولوجيا أقربهم الى سيادة العالم، فإذا كان هذا الأمر صحيحاً أليس من الواجب الشرعي على كل ذي فضل وعلم أن يحوز هذا الأمر على إهتمام منه ليس كلاماً يُردد بل ممارسة نجد لها أثر في حياة أمتنا.
إقتراحات ..
     نتفق على أن العلم الشرعي مهم جداً ويؤجر صاحبه ، إلا أن دراسة العلوم الأخرى مهمه أيضاً ، لذا دعوني أتسائل: لماذا لم نسمع يوماً من خطيب الجمعة أن تحدث عن الخوارزمي مثلاً وفضله في علم الرياضيات؟ لماذا لم نسمع خطيباً يتحدث عن التكنولوجيا وأثرها في المجتمعات الإسلامية و حث الناس على تشجيع أبناءهم على التخصص في العلوم الطبيعية والإنسانية وإنعاشها في مجتمعاتنا ؟ لماذا لم نسمع يوماً بتخصيص حلقات ودروس في المساجد في مُذاكرة فضل هذه العلوم وتدارس سيّرعلماءها وأثر أعمالهم في حياة الشعوب. تلك بعض الإقتراحات .. فهل من مزيد ؟
أخوكم/ طلال عيد العتيبي

الأربعاء، 26 ديسمبر 2012

بخطوات بسيطة .. كيف تكون مخترعاً؟


ما هو الإختراع؟ كيف أكون مخترعاً؟ ما الذي يحفز على الإختراع؟ كيف أبدأ التفكير في إختراعٍ ما؟ كيف أطور إختراعي؟ كيف أحمي فكرتي؟ .. أسئلة تدور في عقلولنا ربما لم نجد لها أجوابةً شافيه، لذا سأتناول الإختراع بنوع من التفصيل لنجيب على كل ماسبق من أسئلة بحيّث يستفيد من هذا المقال المهندس والطبيب والإقتصادي والفيلسوف و و .. لكن كيف!

مخاوف!
كان في يوم من الإيام لدي إحساس بأن الإختراع أمر إعجازي ولا يمكن أن يقوم به إلا أشخاص إستثنائيين ربما أتوا من كوكب آخر، لذا كانت هناك هاله تحيط بالإختراع والمخترعين تجعلني لا أقترب من التفكير بأن أكون مخترعاً ولو في يوم من الأيام، والغريب أن هذا هو التصور نفسه عند كل من تحدثت معهم وبالإجماع!!

ماهو الإختراع؟
ببساطة هو شدة الملاحظة عند الإنسان التي تجعله قادراً على تلبية حاجة ماسة أو حل مشكلة معينه عن طريق محاكاة خلق الله عزوجل شكلاً أو سلوكاً، ولتوضيح الأمر، كان الناس بحاجة الى التنقل بشكل أسرع، فإخترع أحدهم الطائرة التي لم تكن الا نسخاً من بنية وشكل الطيور، والشواهد أيضأ على ذلك كثيرة من الممكن الإطلاع عليها في مقالي السابق (قصة محاكاة الطبيعة .. تنتهي بـ"إختراع"!!) ، فالإنسان إبن بيئته وإختراعاته لا يمكن أن تخرج من نطاق التصورات التي أوجدتها له الطبيعة التي يعيش فيها.

مجالات الإختراع ..
عندما تسمع بكلمة الإختراع قد يتبادر الى ذهنك "جهاز معقد" أو "ماكينة ظخمه" وهلم جرى .. إلا أن مجالات الإختراع كثيرة وربما نستطيع أن نوجزها في مجالين إثنين لا أكثر. المجال الأول هو المجال المادي والذي يكون الإختراع فيه على صورة جهاز أو ما شابه وهذا شائع ، وأما المجال الآخر والمهم للغاية فهو المجال المعنوي، والأمثلة عليه تدور حول الأمور التنظيمية كعمل إستراتيجي مستحدث أو عمل تنظيمي جديد بأحد هياكل الدولة ، أو نظام تعليمي مطور أو أنظمة إقتصادية نهضوية ، كل هذه مجالات للإختراع فيها دور حيوي.

التساؤل الأول: ماهي الغاية؟
هذا التساؤل هو الأهم بين كل الأسئلة، والذي بإمكان الإجابة عليه بوضوح أن تساعدك على البدأ والإنطلاق من النقطة الصحيحة نحو إختراع أفضل، إن كافة الإختراعات تدور حول إحدى أمريّن، إما أن يكون الإختراع مطلوب لأجل تلبية حاجة ماسة، أو أن يكون لأجل حل مشكلة معينه، الأول أقرب الى أن يكون ولادة جديدة ، أما الآخر فأقرب الى أن يكون تطوير أو تعديل عمل جهاز معين بما يرفع كفاءته وأداءه. لذا من الضروري جداً أن تسأل نفسك: ماهي الحاجة التي أبحث عن تلبيتها بشكل دقيق؟ أم هل أريد ان أحل مشكلة معينه أو أن أطور عملاً ما؟ وكخلاصة، يجب أن يكون لدية تصور ورؤية واضحة لما تريد أن تقوم به.

خطوات مقترحة:
بعد أن تتمكن من تحديد المشكلة التي تريد حلها أو الحاجة التي تريد تلبيتها، من الأفضل أن تسلك هذه الخطوات التالية بمفردك أو من خلال فريق عمل وبإمكانك أيضاً أن تعدل من هذه الخطوات حسب رؤيتك وإقتناعك، لأن الإختراع أساسة الخروج عن التقليد:
1. العصف الذهني: خطوة لا مفر منها، بهذه الخطوة حاول أن تخرج بأكبر قدر ممكن من الأفكار والحلول ودوّنها ولو كانت غير واقعية أو غير منطقية ، فقط أخرج الأفكار من داخلك من دون أن تحاكمها للعقل، كن أقرب الى الطفولة وأن تفكر فليس هناك أنقى ولا أصفى من أن تفكر كالأطفال. في بداية الأمر ستخرج بأفكار كثير ثم مع مرور الوقت ستجد وكأن عقلك نضب! لكن واصل التفكير وستجد عقلك يتفتق من جديد!
2. ترتيب ودمج الأفكار: حينما تجد نفسك توقفت نهائياّ عن الإتيان بأفكار جديدة، فإنك قد وصلت على أبواب الخطوة الثانية، هنا حاول قدر المستطاع أن ترتب الأفكار و دمج بعضها مع بعض بالقدر الذي يجعلك تقترب من تحقيق الغاية، لا تستعجل بشطب بعض الأفكار بل فقط رتبها وهذبها.
3. تحديد الخيارات: هنا يتم وضع الأفكار على شكل خيارات محددة والتمعن بكل خيار ومحاولة معرفة المميزات والعيوب التي تشوب كل واحد منها حتى تكون الخيارات جاهزة للتقييم بشرط ان تكون هذه الخيارات تحقق الحد الأدنى الغاية المطلوبة.
4. المحاكمة والإختيار: هنا وعلى "ميزان الجدوى" يتم محاكمة كل خيار تم تحديده، هل له جدوى إقتصادية ، ما هي جدواه الإعلامية؟ وهلم جرى، وفي النهاية يجب أن يكون الخيار المرغوب به ذا جدوى ويحقق الحد الأدنى من الحل المطلوب أو الحاجة المبتغاه.
5. الصعود اللولبي: من الطبيعي جداً أنك و بعد هذه الخطوات الأربعة السابقة ستخرج بحلول ليست ناضجه، والسبيل إلى تطويرها يتلخص في أن نأخذ الخيار الذي تم التوصل والإتفاق عليه وأن نعود به الى الخطوة الأولى "العصف الذهني" لتطوير الفكرة ودمجها بأفكار مستحدثه ثم المرور مرةً أخرى بالخطوات الباقية، أن هذا الأمر سيحقق بلا أدنى شك صعوداً لولبيا الى الأعلى بما يحقق نضوج الأفكار. وبالإمكان إعادة الخطوات السابقة عدت مرات من خطوة 1 الى خطوة 5 متى ما إقتضت الحاجة.

كم يستغرق الإختراع؟
قد يتصور البعض أن الإختراع يجب ان يتم خلال ساعات قليلة وهذا تصورٌ شائع، والصحيح أن الكثير من الإختراعات قد يستغرق أسابيع وشهور حتى يتم التوصل إليه، لذلك فإن الصبر والجلد مطلوبٌ في رحلة الإختراع وهي بلا أدنى شك رحلة ممتعة!

كيف أحمي إختراعي؟
إن أكبر عقبة يواجها المخترعين عموماً تكمن في كيفية حماية أفكارهم، العقبة تكمن في أمرين لا ثالث لهما: الأول هو التكلفة المالية الباهظة لتسجيل الإختراع دولياً (كالأمريكية والأوروبية) والأمر الآخر هو طول مدة تسجيل براءة الإختراع الذي تتجاوز إجراءاتها 6 أشهر. لكن الجميل أنه يمكن أن تقوم بتسجيل براءة إختراع محلية بتكلفة قليلة وبإجراءات أسرع لكن ليس له قوة دولية. وبإستطاعة كل شخص ليس قادراً على متابعة إجراءات تسجيل إجراءات الإختراع الطويلة والمعقدة أن يستعين بجهات حكومية كمؤسسة الكويت للتقدم العلمي لتسجيل براءة إختراع محلية أو عالمية، أو الإستعانة بمحامين متخصصين في هذا الشأن. ومن الممكن أيضاً تقديم طلب تسجيل براءة الإختراع إلكترونياً على شركات كـ(http://www.patentarea.com/ ) والتي توفر كل المختصين من مهندسين ومحامين القادرين على إتمام متطلبات تسجيل براءة الإختراع.

التسويق "مربط الفرس"!
عندما تنجح في كل الخطوات السابقة بما فيها حماية فكرتك، يأتي مرحلة قطف الثمار، والذي لا يمكن أن يتم الا من خلال حسن العرض والتسويق، فهناك مؤلفات تساعدك في تحسين مهارات التسويق لديك، ولكن على أقل تقدير كن مستعداً حينما تقابل أي شركة تعرض عليها إختراعك أن تجعلهم يقفوا على الجدوى الإقتصادية الكبيرة للإختراع أو الهالة الإعلامية التي من الممكن كسبها من خلال تبني هذا الإختراع، ولا تخطئ أبدأ أن تخاطب فيهم عطفهم أو أن تستجدي مساعدتهم .. فقط فكر بعقليتهم وستجد ما يبحثون عنه في إختراعك!

طلال عيد العتيبي

الجمعة، 14 ديسمبر 2012

قصة محاكاة الطبيعة ... تنتهي بـ"إختراع" !!


         لم يكن ذا علم أو شهادة ، لم يكن طالباً متفوقاً في جامعة هارفارد ، لم يكن عالماً فيزيائياً ، لم يكن مخلوقاً خارقا للعادة أتى من كوكب آخر ، كان إنساناً شديد الملاحظة فقط يتأمل حركة البطة وهي تطفو وتتحرك فوق سطح الماء ، حتى تبادر الى ذهنه صنع مجسم مشابه للبطة يمكِنه من الطفو فوق الماء ، كانت هذه البداية فقط التي قادت الى بناء الأسطول البحري!

أسئلة جوهرية:
        بينما نحن نفكر في أصل الإختراعات، لماذا لا نتسائل ؟!! .. أليست الطائرة التي نحلق بها مشابهه للطيور؟ أليس تمثال "أبو الهول" عبارة عن جسم أسد برأس إنسان؟ ألم يصور لنا الروائيين الخلاقين أن شخصية "الشرير" الذي يلاحق الفتاة الجميلة عبارة عن إنسان برأس ثور، أليست طائرة "الهيلوكوبتر" مشابهه تماماً لحشرة اليعسوب ؟ أم هذا الذي صور لنا أن شخصية "الشيطان" عبارة عن صورة إنسان بقرون له ذيل على شكل سهم ، أوليس هذا مجرد تجميع من قرون حيوان وهيئة إنسان وذيل الزواحف؟ كيف دفن قابيل أخيه هابيل بعدما قتله وإحتار أين يخفيه ، ألم يحاكي عمل ذلك الغراب الذي دفن غراباً آخر؟  ماذا فعل الذي إخترع شخصية "حورية البحر" غير أنه دمج نصف فتاة بنصف سمكة ؟ ... ألا تقودنا كل هذه الأسئلة الى إستنتاج واحد فقط !!!

الإختراع إبن الطبيعة:
        إن محاكاة الطبيعة تعني أن يحاكي ويستوحي الإنسان في إبداعاته شكل أو خصائص أو سلوك أحد مخلوقات الله عزوجل، وإن المتبصر بطبيعة الإختراعات التي توصل لها الإنسان يعرف أنها لا تعدوا إلا أن تكون مجرد محاكاة لخلق الله عزوجل، فالإنسان إبن بيئته وإختراعاته نتاج هذه البيئه ليس أكثر ، وإن الإنسان مهما جمح به عقله وإنطلق به خياله الواسع ، فإنه لا يستطيع بأي حالٍ من الأحوال أن يأتي بشيء ليس للطبيعة فيه أصل، ولن يقدر على الإختراع ما لم تكن لديه تصورات ذهنية خلقها البيئة التي يعيش فيها.

كيف تخترع؟
        حتى تكون مخترعاً لست مطالباً بأن تدرس في إحدى الجامعات العريقه أو أن تحصل على شهادة الدكتوراه أو أن تكون إنساناً خارقاً للعادة قادرٌ على أن تخلق من العدم شيئاً ، كل ما هو مطلوب منك هو أن تكون أكثر تركيزاً وأنت تشاهد الطبيعة من حولك حيث يكمن في محاكاتها مليون إختراع وإختراع !!!

كن خلاقاً ..
        إن المخترعين الأعلام ، والروائيين المبدعين ، والرسامين والنحاتين الأفذاذ ، لم يأتوا بشيء إلا ولبيئتهم فيه أصل، فليس صعباً أبداً أن تنظم أخي القارئ الى هذه الكوكبه مِن مَن خلدهم التاريخ ، وإن أردت أن تكون خلاقاً مثلهم ، فليس هذا أكثر من أن تكون شديد الملاحظة لما حولك من آيات الله عزوجل ، ولتجعل منها نواة عملٍ قد يقدر الله عزوجل لها أن تغير مجرى العالم ، إن كيفية الإختراع يحتاج الى أن أفرد له مقالاً آخر حتى يتسنى لي أن أشرحه بشكل أدق مستنبطاً خطواته من واقع تجربة عشتها سنة 2005 وذلك بعد حصولي على براءة إختراع مسجلة !!

 
أخوكم/ طلال عيد العتيبي